الرد على المخالفات الشرعية والفلكية للرائي عبدالله الخضيري حول الفجر الصادق

بسم الله الرحمن الرحيم

الرد على المخالفات الشرعية والفلكية للرائي عبدالله الخضيري حول الفجر الصادق

الحمدلله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين

 

فقد تابعنا في الأيام الماضية البيان الصوتي للرائي عبدالله الخضيري حول الفجر الصادق، وقد تضمن البيان عدد من المخالفات الشرعية والفلكية، فلأول مرة طوال تاريخ أمة محمد صلى الله عليه وسلم يأتي من يتجرأ ويربط ركناً من أركان الدين بطاعة ولي الأمر، فعلى أهمية طاعة ولي الأمر إلا أن الطاعة في المعروف، فجرأة الرائي كانت عظيمة باعتبار أن كل من يخالف ولي الأمر في كل مكان وزمان حول مسألة دخول الوقت يكون أثماً، وهي تعد سابقة خطيرة فضلاً أنه اقحام في غير محله، وهو إقرار صريح من الرائي هدانا الله وإياه بوقوع علماء السلف في إثم مخالفة ولي الأمر في مسألة مواقيت الصلاة عموماً ووقت دخول الفجر خصوصاً، فكثير من العلماء خالفوا التوقيت المتعارف بين الناس، وقد نعذُر الرائي في قلة تحصيله الشرعي لكننا لا نعذره في جرأته وتحميل ذمته صحة صلوات المسلمين، وكان السكوت أسلم له.

عن عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سيكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن مواقيتها ويحدثون البدع قال ابن مسعود: فكيف أصنع؟ قال: تسألني يا ابن أم عبد كيف تصنع؟ لا طاعة لمن عصى الله»  رواه ابن ماجة (2865) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (590)

ومن هذا الهدي النبوي يتأكد أن الطاعة إنما هي في المعروف، ولكون المقام ليس مقام حصر أقوال علماء السلف حول مسألة تأخير وتقديم مواقيت الصلوات فنكتفي بما ذكره الشيخان بن باز وبن عثيمين رحمهما الله، يقول الشيخ بن باز: (… كالذي في الصحراء، أو في السفر ومعه التقويم لكن رأى الصبح قد بان واتضح قبل التقويم، أو رأى التقويم مبكر والصبح ما بعد خرج، فلا يعتمد التقويم بل يعتمد الصبح، وإذا كان التقويم قد بكر وهو في الصحراء يشوف الصبح لا يصلي، حتى يتضح الصبح، وإذا كان التقويم قد تأخر ورأى الصبح خالف التقويم وطلع طلوع بين الصبح الصادق يعتمد ما رأى ولا يهمه التقويم…)

وقال الشيخ بن عثيمين: (لا ينبغي الإنسان في صلاة الفجر أن يبادر في إقامة الصلاة، وليتأخر نحو ثلث ساعة أو (25) دقيقة حتى يتيقن ان الفجر قد حضر وقته) شرح رياض الصالحين (3/216(

وقال أيضاً: ( … إذا اختلف تقويمان، وكل منهما صادر عن أهل وعالم بالوقت فإننا نقدم المتأخر في كل الأوقات، لأن الأصل عدم دخول الوقت، وقد نص الفقهاء  -رحمهم الله – على مثل هذا، فلو قال شخص لرجلين: ارقبا لي الفجر، فقال أحدهما: طلع الفجر، وقال الثاني: لم يطلع فنأخذ بقول الثاني، فله أن يأكل ويشرب حتى يتفقا بأن يقول الثاني: طلع الفجر، وأنا شخصيا آخذ بالمتأخر من التقويمين) الشرح الممتع (2/48)

عليه وبحسب مفهوم الرائي يكونا الشيخان وقعا في الإثم كون التقويم صادر من ولي الأمر!!

ومما يدمي القلب في بيان الراي عبدالله الخضيري استهانته بدخول الوقت، فبعد إقراره أن الآذان قبل تقويم أم القرى بثلاث دقائق اعتبر أن هذه الثلاث دقائق تتلاشى بمجرد الانتهاء من الأذان، وعلى فرض صحة فرق الثلاث دقائق والتي لا نوافقه عليها إلا أننا سوف نفترض صحتها ونقول كيف ببعض المؤذنين الذين ينتهوا من الآذان خلال دقيقة واحدة أو دقيقتين، فكيف لو عقدن النساء في بيوتهن تكبيرة الإحرام لصلاة الفجر بمجرد الانتهاء من الاذان الذي انتهى قبل دخول الوقت؟ فبإجماع العلماء أن من عقد تكبيرة الإحرام قبل دخول الوقت وكان ما بعد تكبيرة الإحرام بعد دخول الوقت فصلاته باطلة اتفاقاً .. كونه لا يجوز لمسلم أن يقدم الصلاة كلها أو بعضها قبل دخول وقتها، لأن ذلك من تعدي حدود الله تعالى والاستهزاء بآياته.

فما بالنا أن الأذان قبل الوقت محرم، وهذا الذي لم ينتبه إليه الرائي هداه الله، يقول بن عثيمين رحمه الله: (.. إن الإنسان اذا تيقن ان الفجر لم يطلع حرم عليه ان يؤذن، لأن الوقت خطير، اذ لو أن الإنسان أذن قبل الوقت بدقيقة واحدة وكبر احد من الناس على أذانه تكبيرة الإحرام قبل الوقت فإنه لا شك أنه يكون غرَ الناس وأوجب أن يصلوا قبل الوقت)

ومن هنا يتبين بهذه الأدلة وغيرها قصور الرائي عبدالله الخضيري في جانب العلم الشرعي .. فليته اكتفى بالجانب الفلكي الذي كذلك ارتكب فيها مخالفات نجملها في النقاط التالية:

أولاً-الرائي عبدالله الخضيري له جهود مباركة في تحري الأهلة إلا أن الواضح أن تحري الأهلة أثر عليه من ناحية خبرته الواسعة في مراقبة غروب الشمس بقصد تحري ظهور الهلال، ولكن غروب الشمس يختلف بالكلية عن شروق الشمس الذي يتعلق بظهور الفجر الصادق، فالرائي عندما يتحرى الهلال اعتاد رؤيته بصعوبة كون الهلال في مرحلة ما بعد الولادة، وهذه العادة الملازمة للرائي عبدالله الخضيري في تحري الهلال بمشقة وصعوبة يبدو أنها أثرت عليه من حيث اعتماده نفس المنهج في رؤية بصيص من وهج الشمس الذي ربما يكون الفجر الكاذب وربما يكون بداية وهج ضوء الشمس للفجر الصادق، فاعتبر ذلك علامة دخول الوقت، والأمر ليس كذلك، ويؤكد ذلك أنه احتاج لأشهر طويلة حتى يستقر على وقت محدد للفجر مما يعني بالضرورة أنه في كل مرة كان يشاهد الأفق بحالة مختلفة عن سابقتها، وفي هذا دلالة أنه كان يشاهد الفجر الكاذب الذي يتشكل أحياناً بصورة قريبة من الفجر الصادق بحيث يعترض في الأفق ولكن ليس بصورة كاملة، وإما أنه اعتمد لحظة ظهور بصيص الضوء لبداية الفجر الصادق، ولكن هذه اللحظة لا تعتبر فجراً صادقاً لأنه لم يصدقنا، فالفجر الصادق هو الذي لا يختلف عليه أحد عند مشاهدته وذلك لوضوحه وانتشار ضوؤه في السماء.

ثانياً-ما قام به الرائي من مراقبة الفجر الصادق لا يعد بحثاً ولا دراسة علمية كونها تفتقر لأدنى أبجديات البحث العلمي، ومن ذلك:

1-لم يحدد لنا درجة زاوية الشمس الموافقة لظهور ضوء الشمس في الأفق الشرقي.

2-لم يحدد لنا ظهور الفجر الكاذب ولم يوثق هذا الجانب من حيث تحديد الفارق الزمني بين ظهور الفجر الكاذب والفجر الصادق.

3-لم يحدد لنا المواسم الذي تمت فيها المراقبة ولم يوثق ذلك بتواريخ يمكن الرجوع إليها.

4-لم يحدد لنا صفة الفجر الصادق التي رأها، وهل هي مستبينة ظاهرة أم بالكاد تمت الرؤية؟

5-لم يحدد لنا درجة زاوية الشمس لصحيح البصر، وزاوية أخرى للبصر الأقل ثم يختر المتوسط بينهما.

6-لم يقم بتوثيق الفجرين الكاذب والصادق وذلك بتصويرهما إن أمكن حتى يبين لنا اللحظة التي اعتمد عليها عند تحديد الفجر الصادق.

ومناط الحكم هو على التبين لقوله تعالى : (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) البقرة/187.

وقد صرَّح النبي صلى الله عليه وسلم بالفرق بينهما في أحاديث كثيرة ، بعضها في التفريق بينهما من حيث الأوصاف ، وبعضها الآخر من حيث التفريق بينهما في الأحكام ، وبعضها جمعت بين الأوصاف والأحكام .

وقد جاء التفريق واضحاً بين الفجرين في كلام الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من أئمة العلم.
قال ابن كثير رحمه الله:”وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج عن عطاء قال: سمعت ابن عباس يقول: هما فجران، فأما الذي يسطع في السماء: فليس يُحِلّ ولا يحرِّم شيئاً، ولكن الفجر الذي يستبين على رؤوس الجبال هو الذي يحرّم الشراب .

قال عطاء: فأما إذا سطع سطوعاً في السماء -وسطوعه أن يذهب في السماء طولاً – : فإنه لا يحرم به شراب لصيام ولا صلاة، ولكن إذا انتشر على رؤوس الجبال: حرم الشراب للصيَّام.

وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس وعطاء ، وهكذا رُوي عن غير واحد من السلف رحمهم الله” ” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 516)

ومن هنا نسأل الرائي هل انتشر الضوء على رؤوس الجبال عند اللحظة التي اعتمدتها للفجر الصادق؟! ولكوني أجهل المنطقة التي اختارها الرائي لمراقبة الفجر اسأل هل ضوء الفجر اعترض من الشمال إلى الجنوب بحيث يراه الصغير والكبير  أم كان سوى ذلك؟

ثالثاً-إن التجربة التي قام بها الرائي عبدالله الخضيري هي تجربة فردية، ولا يمكن بحال تقديم التجربة الفردية من شخص غير مؤهل على الأقل في الجانب الشرعي على تجارب جماعية لشخصيات وجهات فلكية معتبرة ومؤهلة من الناحية الشرعية والفلكية، ولعل أخر الدراسات دراسة الجمعية الفلكية الاردنية بالتعاون مع الجمعية الفلكية السعودية الذين درسوا الفجر الصادق مؤخراً لفترات طويلة انتهت بأن وقت الفجر الصادق متأخر عن التقويم في حدود عشر دقائق تقريباً.

وكم هو مؤسف أن يصاحب البيان الصوتي للرائي عبدالله الخضيري لقطات للفجر الصادق مأخوذة من جهود باحثين شرعيين وفلكيين وهي منتشرة في مواقع الانترنت وذلك ليوهم السامع وهو يشاهد هذه اللقطات أنها هي التي بنى عليها حكمه بدخول وقت الفجر، وكان الواجب صادقاً مع الناس بحيث يعتمد على الصور التي التقطها بنفسه وإلا يكتفي بالبيان الصوتي دون التأثير على الناس بهذه الصور المصاحبة أو يشير أنها صور لدراسات غيره.

وإن تجني الرائي على المخالفين للتقاويم فيه طمس لحقائق كثيرة وقفز على وقائع، ففي خطاب الشيخ عبدالرحمن الفريان رحمه الله الموجه للدكتور صالح العدل، رئيس لجنة تقويم أم القرى والذي طالب فيه بإعادة النظر في التقويم قال: (وكان شيخنا محمد بن إبراهيم -رحمه الله-لا يقيم الصلاة في مسجده إلا بعد وضوح الفجر الصحيح، وبعض الأئمة لا يقيمون صلاة إلا بعد وقت التقويم الحاضر بأربعين دقيقة أو نحوها، ويخرجون من المسجد بغلس، أما البعض الآخر فإنهم يقيمون بعد الأذان بعشرين دقيقة, وبعضهم يقيمون الصلاة بعد الأذان على مقتضى التقويم بخمس عشرة دقيقة.. ثم هؤلاء المبكرون يخرجون من صلاتهم قبل أن يتضح الصبح فهذا خطر عظيم… ) (تاريخ الخطاب5/9/1414هـ)

وكذلك سجل الشيخ الالباني شهادته للتاريخ فقال رحمه الله : (وقد رأيت ذلك بنفسي مراراً من داري في جبل هملان جنوب شرق عمان، ومكنني ذلك من التأكد من صحة ما ذكره بعض الغيورين على تصحيح عبادة المسلمين أن أذان الفجر في بعض البلاد العربية يُرفع قبل الفجر الصادق بزمن يتراوح بين العشرين والثلاثين دقيقة، أي قبل الفجر الكاذب أيضا، وكثيراً ما سمعت إقامة صلاة الفجر من بعض المساجد مع طلوع الفجر الصادق، وهم يؤذنون قبل وقتها، وقد يستعجلون بأداء الفريضة قبل وقتها في شهر رمضان) من السلسلة الصحيحة (5/52).

كما أن عضو هيئة كبار العلماء سابقاً الدكتور سعد الخثلان، كان قد أوضح ان معظم التقاويم في العالم الإسلامي ومنها تقويم أم القرى يوجد لديها إشكالية في تحديد دخول وقت صلاة الفجر، إذ أنها تعتبر الشفق الفلك  (Astron omeca Twil Ight) بداية لوقت الفجر، والشفق الفلكي هو الفجر الكاذب الذي حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الاغترار به كما جاء عند مسلم عن سمرة بن جندب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” لا يغرَّنكم نداء بلال ولا هذا البياض حتى يبدو الفجر، أو قال: حتى ينفجر الفجر”

وكما قلنا أن المقام ليس مقام حصر وإلا لذكرنا جمع من علماء من كل بلاد الإسلام عارضوا توقيت الفجر في التقاويم الإسلامية بدون أن يُنكر عليهم أحد ويربط اجتهادهم بمخالفة ولي الأمر، فما جاء به الرائي عبد الله الخضيري سابقة خطيرة، وجرأة عظيمة، وأخشى أن هذا التصرف منه هو من باب الاستقواء بولي الأمر بقصد عدم معارضته، فكيف وأن أحداً من أهل الاجتهاد لم يقل بذلك!

فإن أول قائل من بعد زمن النبي صلى الله عليه وسلم بأن الاجتهاد جريمة ومخالفة لولي الأمر هو عبدالله الخضيري الذي ارتكب جناية بحق أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

أخيراً منعاً للإطالة تبين بالأدلة الشرعية والعلمية افتقار بيان الأخ الرائي عبدالله الخضيري هداه الله لأدنى درجات المنهجية العلمية، فإن كان الفلكيون وهم أهل الاختصاص قد اختلفوا فيما بينهم حول تحديد بداية وقت الفجر الصادق -لذلك نجد التباين والاختلاف في التقاويم-فكيف بمن هو دونهم؟!

سائلين الله أن يهدينا وإياه إلى سبيل الرشاد.

 

ابو عبدالرحمن المكي

ظهيرة غرة رمضان لعام 1438هـ

 

 

 

 

 

Comments

comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *